في لحظة صفاء نادرة، جلستُ مع نفسي أسأل: كم مرة حكمتُ على إنسان لمجرد أنه اختار مساراً غير مساري؟ كم مرة صبغتُ اختلافه بلون الخيانة، أو وسّمتُ رأيه بسمة الكفر والضلال؟ الإجابة، إن صدقنا مع أنفسنا، مريرةٌ ومؤلمة.
المثل الشعبي القديم يقول: «كل منا ملاك في روايته، لكنه الشيطان في رواية أحدهم». هذه العبارة البسيطة تختزل مأساة الفكر العربي المعاصر: نحن بارعون في تبرير ذواتنا، ومبدعون في شيطنة غيرنا. نرتدي ثوب الملاك حين نتحدث عن أنفسنا، ونلبس غيرنا ثوب الشيطان حين يختلفون معنا.
جذور الأزمة: من «الفرقة الناجية» إلى «الجماعة الوهمية»
لم تولد ثقافة التكفير والتخوين من فراغ. إنها امتداد تاريخي لمسار فكري طويل، بدأ مع نشأة الفرق الكلامية الأولى، حيث ادّعت كل فرقة أنها «الفرقة الناجية» وحدها، وما سواها في النار. انتقل هذا المنطق من العقيدة إلى السياسة، فصار المعارض السياسي «خائناً»، والمفكر المختلف «مرتداً»، والفنان الحر «مفسداً».
الخطير في الأمر أننا حولنا «الرأي» إلى «هوية»، و«الاختلاف» إلى «وجود». لم نعد نختلف في *فكرة*، بل نكفّر *شخصاً». لم نعد نناقش *حجة*، بل نشهر *سيفاً». هكذا تحولت الساحة العامة إلى ساحة معركة، لا يبقى فيها إلا من يحمل راية «الجماعة الوهمية» التي نتوهم أنها تملك الحقيقة المطلقة.
آليات الشيطنة: كيف نصنع «الشيطان» من «الإنسان»؟
عملية تحويل المختلف إلى شيطان تمر بمراحل ممنهجة، تبدأ بـ «التجريد» وتنتهي بـ «الإلغاء»:
- التجريد من السياق: نأخذ جملة من مقال، أو موقفاً من حياة، ونفصلها عن ملابساتها، لنبني عليها حكماً كلياً على صاحبه.
- النسبة إلى النية: ندّعي علم الغيب، فنقول: «قصده كذا»، «في نيته كذا»، «يريد كذا»، ونحاكم النوايا لا الأفعال.
- التعميم والاختزال: نخزل إنساناً بكل تعقيداته وتاريخه في «تسمية» واحدة: علماني، إسلامي، ليبرالي، متطرف، خائن، عميل... ويصبح هذا اللصق هو هويته الوحيدة.
- التحشيد العاطفي: نستخدم مفردات مشحونة (كفر، زندقة، عمالة، خيانة) لاستثارة الغرائز القبلية، وإسكات صوت العقل.
"الحكمة الحقيقية لا تكمن في امتلاك الحقيقة، بل في الاعتراف بأن غيرك قد يمتلك جزءاً منها لم تَرَه أنت."
— هشام خليف
ثمن الإقصاء: أمةٌ تمشي على رجل واحدة
حين نلغي المختلف، لا نخسره وحده، بل نخسر أنفسنا. نخسر فرصة المراجعة، وفرصة التصحيح، وفرصة النمو. التاريخ العربي المعاصر حافلٌ بأمثلة مؤلمة: مجتمعات انهارت لأنها أصرت على صوت واحد، وأمم تفرقت لأنها رفضت أن تسمع غير نغمتها.
الاختلاف ليس تهديداً للتماسك، بل هو شرطه. كما أن الجسد السليم يحتاج إلى خلايا متنوعة تؤدي وظائف مختلفة، فالمجتمع السليم يحتاج إلى آراء متنوعة تثري مساره. «الجماعة الواحدة» وهمٌ قاتل، و«الرأي الواحد» وصفةٌ للفناء.
أكثر اللحظات نضجاً في حياة أمة، هي اللحظة التي تقرر فيها أن «الاختلاف» ليس خيانة، بل هو أمانة. وأن «المخالف» ليس عدواً، بل هو شريك في حمل همّ الوطن والإنسان.
نحو فقه للاختلاف: خطوات عملية للخلاص
كيف نخرج من دائرة الجحيم هذه؟ الطريق طويل، لكنه يبدأ من خطوات واعية:
1. فصل «الرأي» عن «الشخص»
نقد الفكرة لا يعني نقد صاحبها. اختلف مع الرأي بشجاعة، لكن احترم إنسانية القائل بكرامة. قل: «أرى رأيك خاطئاً لأن كذا»، لا تقل: «أنت خائن لأنك قلت كذا».
2. حسن الظن مبدأً لا استثناءً
ابدأ من افتراض أن مخاطبك يطلب الحق مثلك، ويحب الخير مثلك، ويخاف على وطنه مثلك. حسن الظن ليس سذاجة، بل هو أخلاق القراء الكبار، ومنهج النبي ﷺ مع مخالفيه.
3. التعود على عبارة «لا أدري» و «قد أكون مخطئاً»
اليقين المطلق مرض، والشك البناء صحة. الاعتراف بحدود علمنا يفتح باب الحوار، ويغلق باب التكفير.
4. بناء مساحات مشتركة قبل الخوض في المختلف فيه
ابحث عما يجمعكما: إنسانية، وطن، ألم، أمل، خوف على المستقبل. من أرضية المشترك، يصبح المختلف فيه قابلاً للنقاش لا للاقتتال.
خاتمة: حين نلتقي في «الإنسان»
في نهاية المطاف، سنقف جميعاً عراةً أمام الحقيقة الكبرى: أننا بشر، نخطئ ونصيب، نضل ونهتدي، نضعف ونقوى. لا ملاك مكتمل بيننا، ولا شيطان مطلق. كلنا في مركب واحد، نمخر عباب بحرٍ هائج.
الخلاص ليس في أن نصبح نسخاً كربونية لبعضنا، بل في أن نتعلم فن «الاحترام المتبادل» وسط الاختلاف. أن ننظر في عين المختلف فنرى «إنساناً» قبل أن نرى «رأياً». أن نمد يدنا لا لنقبض على حلقه، بل لنصافحه ونقول: «أنا أختلف معك، لكنني أحترمك، وأراك شريكي في بناء ما تبقى من أمل».
هنا فقط، نتوقف عن كتابة روايات الشياطين، ونبدأ بكتابة روايةٍ واحدةٍ عنوانها: «الإنسان... أخو الإنسان».
Comments (0)